الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
223
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ دون أن يقول : عن ذكرنا ، أو عن ذكري ، لاقتضاء الحال الإيماء إلى وجه بناء الخبر فإن المعرض عن ربّه الذي خلقه وأنشأه ودبره حقيق بأن يسلك عذابا صعدا . والصّعد : الشاق الغالب ، وكأنه جاء من مصدر صعد ، كفرح إذا علا وارتفع ، أي صعد على مفعوله وغلبه ، كما يقال : علاه بمعنى تمكن منه ، وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ [ الدخان : 19 ] . وقرأ الجمهور نسلكه بنون العظمة ففيه التفات . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف يَسْلُكْهُ بياء الغائب فالضمير المستتر يعود إلى ربّه . [ 18 ] [ سورة الجن ( 72 ) : آية 18 ] وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 ) اتفق القراء العشرة على فتح الهمزة في وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فهي معطوفة على مرفوع أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 1 ] ، ومضمونها مما أوحي به إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وأمر بأن يقوله . والمعنى : قل أوحي إلي أن المساجد للّه ، فالمصدر المنسبك مع أَنَّ واسمها وخبرها نائب فاعل أُوحِيَ [ الجن : 1 ] . والتقدير : أوحي إلي اختصاص المساجد باللّه ، أي بعبادته لأن بناءها إنما كان ليعبد اللّه فيها ، وهي معالم التوحيد . وعلى هذا الوجه حمل سيبويه الآية وتبعه أبو علي في « الحجة » . وذهب الخليل أن الكلام على حذف لام جر قبل أَنَّ ، فالمجرور مقدم على متعلّقه للاهتمام . والتقدير : ولأن المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحدا . واللام في قوله لِلَّهِ للاستحقاق ، أي اللّه مستحقها دون الأصنام والأوثان فمن وضع الأصنام في مساجد اللّه فقد اعتدى على اللّه . والمقصود هنا هو المسجد الحرام لأن المشركين كانوا وضعوا فيه الأصنام والأنصاب وجعلوا الصنم ( هبل ) على سطح الكعبة ، قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها [ البقرة : 114 ] يعني بذلك المشركين من قريش .